عبد الملك الجويني

11

نهاية المطلب في دراية المذهب

العصر في اليوم الأول حين ابتدأ المثل الثاني متصلاً بانقضاء المثل الأول ، فحسنٌ أن يقال : صلى حين صار ظل كل شيء مثلَه ، فكانت إِحدى العبارتين مشيرة إِلى آخر المثل ، والثانية إِلى الزمان المتصل بالآخر ، واحتمال هذا في اللفظين مع إِمكانه وانسياغه في اللسان أمثلُ من التزام الاشتراك ، والخروجِ عن مقصود الوقت المؤقّت في فصل أواخر المواقيت عن أوائل ما يعاقبها ويليها . فهذا بيان تأسيس مذهب الشافعي في ذلك ، وليس ما ذكره بِدْعاً ؛ الله تعالى ذكر بلوغ الأجل في العدة ، وعَنى الإِشراف على الانقضاء ، فقال : { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } [ البقرة : 231 ] معناه : " فراجعوهن " وذكر البلوغ في آية أخرى وأراد الانقضاء ، فقال تعالى : { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } ( 1 ) [ البقرة : 232 ] وقال الشافعي في تجويز مثل ذلك في اللسان : يقال : بلغ المسافر البلد ، إِذا انتهى إِليها ، وإِن لم يدخلها ، ويقال : بلغها ، إِذا دخلها وتوسط [ أبنيتها ] ( 2 ) . 649 - ثم بعد هذا اعترض إِشكالٌ آخر في الحديث ، فإِن جبريل أبان بالتعرض لآخر وقت الظهر انقضاءَ وقته ، وجرى على تلك الصيغة في صلاة العصر ، والعشاء ، والصبح ، ما ( 3 ) يدل على ما يخالف ظاهر المذهب ؛ فإِنه صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه ، وصلى صلاة العشاء في النوبة الثانية حين ذهب ثلث الليل ، وصلى صلاة الصبح في المرة الثانية حين أسفر ، فاقتضى ظاهر ذلك أن وقت الأداء في هذه الصلوات ينتهي بالانتهاء إِلى هذه الأوقات ، كما جرى ذلك في صلاة الظهر ، ولكن اضطرب الأصحاب في هذا على طرق : فذهب الأقلون إِلى التزام ذلك في هذه الصلوات ، والمصيرِ إِلى أن الصلاة تفوت بالانتهاء إِلى هذه الأوقات ، وهذا غير معدود من متن المذهب ، وقد عزاه الناقلون إِلى الإِصْطخري .

--> ( 1 ) وتمام الآية { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة : 232 ] ونكاح زوج آخر لا يكون إِلا بعد انقضاء العدة . ( 2 ) في الأصل : وتوسط فيها . والمثبت من ( ت 1 ) . ( 3 ) ( ما ) الموصولة هنا فاعل للفعل ( جرى ) .